صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
14
تفسير القرآن الكريم
الولوج في سموكها - لأنّ عالم السماء كعالم قلب المؤمن بيت معمور مطهّر بطهارة القدس والتسبيح ، وعمارة الذكر والحمد ، لا يمكن أن يتصرّف فيه إلّا جوهر مقدّس ، ولا سبيل للخبيث اللعين إليه إلّا اختلاسا واجتيازا في بعض الساعات ، كأوقات الكسوفات والخسوفات وغيرها استراقا للسمع . وبالجملة - موطن الشياطين والجنّ هذا العالم الطبيعي ، وليس لواحد منهم درجة العلم والمعرفة بالمقاصد الكليّة والأمور الإلهيّة سواء كانوا كفّارا كالشياطين ، أولهم ضربا من الإسلام كطائفة من الجنّ ذكرت في القرآن . وأما قولكم « إن الجنّ يطعمون » فقد جاء عن العرب ما يدل على أنّهم لا يطمعون ولا يشربون . أنشد ابن دريد : ونار قد حضأت بعيد وهن * بدار ما أريد به مقاما سوى ترحيل راحلة وعين * اكالئها مخافة أن تناما أتوا ناري فقلت : منون أنتم ؟ * فقالوا : الجنّ . قلت : عموا ظلاما فقلت : إلى الطعام . فقال منهم * زعيم : يحسد الإنس الطعاما لقد فضّلتم بالأكل فينا * ولكن ذاك يعقبكم سقاما فهذا يدل على أنهم لا يأكلون ولا يشربون لأنّهم روحانيّون ، وقد جاء في الأخبار النهي عن التمسّح بالعظم والروث لأنّ ذلك طعامهم وطعام دوابّهم . وقد قيل : إنّهم يتشمّمون ذلك . * * * وأجابوا عن الرابع - وهو قوله تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا بأنّ هذه الآية معارضة بقوله [ تعالى ] : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [ 22 / 75 ] لأنّ « من » للتبعيض . وكلا القولين مرويّ عن ابن عبّاس ، فروي عنه إنّه قال : إنّ الملائكة